ابن عجيبة
432
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
لهذه الصفات . أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً لما اقترفوا من السيئات ، وَأَجْراً عَظِيماً على طاعتهم . قال البيضاوي : والآية وعد لهن ، ولأمثالهن ، على الطاعة والتدرّع بهذه الخصال . روى أن أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم قلن : ذكر الرجال في القرآن بخير فما فينا خير ، فنزلت « 1 » . ه . الإشارة : اعلم أن اصطلاح الصوفية أن ما يتعلق بعمل الجوارح الظاهرة يسمى إسلاما ، وما يتعلق بعمل القلوب الباطنية يسمى إيمانا ، وما يتعلق بعمل الأرواح والأسرار يسمى إحسانا . قال في البغية : فالإسلام يشتمل على وظائف الظاهر ، وهي الغالبة عليه ، وذلك من عالم الشهادة ، والإيمان يشتمل على وظائف الباطن ، وهي الغالبة عليه ، وذلك من عالم الغيب ، وهي الأعمال الغيبية ، ولمّا انفتح لها باب من الأعمال الظاهرة للعبادة ، وأشرقت عليها من ذلك أنوار ، وتعلقت همتها بعالم الغيب ، مالت إلى الوفاء بالأعمال الباطنة ، ثم لمّا تمكنت في الأعمال الباطنة ، واطلعت على عالمها ، وأشرفت على طهارتها ، وتعلقت همتها بعالم الملكوت ، مالت إلى الوفاء بالأسرار الإحسانية ، ومن هناك تدرك غاية طهارتها وتصفيتها ، والاطلاع على معارف الحقائق الإلهية . ثم قال : فإذا تبين هذا ، فالإسلام له معنى يخصه ، وهو انقياد الظاهر بما تكلف به من وظائف الدين ، مع ما لا بد منه من التصديق . والإيمان له معنى يخصه ، وهو تصديق القلب بجميع ما تضمنه الدين من الأخبار الغيبية ، مع ما لا بد منه من شعبه . والإحسان له معنى يخصه ، وهو تحسين جميع وظائف الدين الإسلامية والإيمانية ، بالإتيان بها على أكمل شروطها ، وأتم وظائفها ، خالصة من جميع شوائب عللها ، سالمة من طوارق آفاتها . ه . قلت : ولا يكفى في مقام الإحسان تحسين الوظائف فقط ، بل لا بد فيه من كشف حجاب الكائنات ، حتى يفضى إلى شهود المكوّن ، فيعبد اللّه على العيان . كما في الحديث : « أن تعبد اللّه كأنك تراه » . فإذا تقرر هذا ؛ فالآية مشتملة على تدريج السلوك ؛ فأول مقامات المريد : الإسلام ، ثم الإيمان ، كما في الآية ، ثم يكون من القانتين المداومين على الطاعة ، ثم يكون من الصادقين في أقواله ، وأفعاله ، وأحواله ، صادقا في طلب مولاه ، غائبا عن كل ما سواه ، ثم من الصابرين على مجاهدة النفس ، ومقاساة الأحوال ، وقطع المقامات والمفاوز . وقال القشيري : من الصابرين على الخصال الحميدة وعن الخصال الذميمة ، وعند جريان مفاجآت القضية . ه . ثم من الخاشعين الخاضعين لهيبة الجلال ، مشاهدا لكمال أنوار الجمال . قال القشيري : الخشوع : إطراق السريرة عند بواده الحقيقة . ه .
--> ( 1 ) أخرجه ، بنحوه ، أحمد في المسند ( 6 / 301 ) والحاكم ، وصححه ووافقه الذهبي ( 2 / 416 ) ، والطبراني في الكبير ( 23 / 263 ح 554 ) و ( 23 / 294 ح 650 ) من حديث أم سلمة - رضى اللّه عنها - وأخرجه ابن جرير في التفسير ( 22 / 10 ) من حديث ابن عباس رضي اللّه عنه وأم سلمة - رضى اللّه عنها .